نرجس سالم ، مصرية
أثارت قضيتها ذات يوم جدلا صاخباً رغم أن الكثير من الصحف تجاهلتها . لم تفعل شيئا خارقاً ، ولم تأت عملا عجيباً .. كل ما فى الأمر أنها و هى الحزينة و المجهولة ، خاطبت رجلاً يرقد فى ضريحه منذ أكثر من أربع عقود من الزمان . . ففى أثناء الأحتفالات السنوية بذكرى ثورة 23 يوليو عام 1989 ، تسللت سيدة مصرية مجهولة من بين الجموع المحتشدة المتوجهة نحو ضريح الزعيم جمال عبد الناصر . كان الوقت ظهراً و سماء القاهرة تموج بحرارة الصيف اللاهبة ، كما لو أنها تنطبق فى مشهد عناق مؤثر ثم تتوحد مع الأرض عند ذلك المدخل الصغير الضيق والمفتوح على باحة المسجد
هناك يرقد الرجل الذى أرتبط أسمه ، مثل " أوزيريس " بالخصب والمجد و القوة . و كما فى أعياد أوزيريس القديمة التى أزدهرت فوق أرض مصر ، تجئ كل عام ، و منذ سبعة آلاف سنة متواصلة ، ذكرى الرجل و ذكرى الأسطورة . كانت حشود المصريين تتقدم نحو ضريح عبد الناصر . لم يكن مرأى السيدة ليثير أحدا . وربما لم يخطر فى ذهن أحد أن تقدم على ممارسة طقس قديم من قلب الراسب الثقافى الدفين فيغدو فى لحظة واحدة ،حيا جميلا ومتألقا ..
وحدها تلك السيدة الحزينة المجهولة كانت تدرك أن مقدمها لزيارة الضريح إنما يجب أن يكتسى بكامل بُعده .. كطقس شبيه بالأساطير ، أو يستمد نسيجه الشفاف ، كالغلالة من نسيج خيوطه الغائرة فى الزمن فى تلك الظهيرة القائظة من يوليو ،أجتازت السيدة المصرية المجهولة الجموع ثم توقفت عند الضريح و تطلعت بعنين مغرورقتين بالدموع وبسملت ، حتى أرتعشت أصابعها عند القضبان الحديدية الخضراء التى تطوق الضريح ، فأنزلقت من بين الأصابع وريقة بيضاء كتبت بقلم الرصاص … ولم يمض وقت طويل ، حتى أخذت الرسالة طريقها إلى صحف عربية خارج مصر ،و دهش العالم .. ترى ما الذى دفع امرأة حية إلى مخاطبة رجل ميت تشكو له من ظلم وقع عليها ؟؟؟ بكل تأكيد لم تكن المسألة مألوفة على هذا النحو.. و المواطن المصرى لم يعتد على مخاطبة أضرحة زعمائه السياسيين عبر الرسائل ،و خصوصا تلك التى تتضمن شكاوى ذات طابع أجتماعى ، حقا ، ما الذى يحمل سيدة مصرية على مخاطبة جمال عبد الناصر بعد عشرين عاما من وفاته ، وأى قناعة راسخة أستقرت فى رأسها و أعماقها عن قدرته على إنزال القصاص العادل بحق أحياء تسببوا فى إيذائها ؟؟؟ لدى مقارنة خاصة برسالة نرجس سالم ،هذه برسائل مماثلة بعثت بها سيدات مصريات على أمتداد عقود عديدة إلى ضريح الإمام الشافعى و لا شك أن موضوع الشكوى مألوف و كذلك أسلوب المخاطبة ، وهما أمران ينطويان فى الواقع على معان و دلالات لا حصر لها ، تتجاوز مجرد كون الرسائل تحمل شكاوى أجتماعية من الجور والظلم الذى تتعرض له المرأة ككائن أعزل فى قلب مجتمع يمور بالغضب و يعج بالمشكلات ..
و لقد لاحظ المرحوم د/سيد عويس ،العالم السوسيولوجي المصرى فى بحث عنوانه " ظاهرة إرسال الرسائل إلى الإمام الشافعى "أن مرسلى هذه الرسائل ، كانوا يخاطبون الإمام على أنه رجل حي ، وذلك بالرغم من مرور أكثر من ألف و مئة و خمسين سنة على وفاته { توفى عام 204 هجريا} لأستجلاء ذلك المشهد الغريب فى تلك الظهيرة اللاهبة فى يوليو ، كان ينبغى العودة إلى هذه الظاهرة فى جذرها الأجتماعى /التاريخى و فى هذا الميدان كان لابد من إلقاء نظرة إلى ما وراء الرسالة و إلى ما وراء مغزاها المباشر ، ذلك أن هذه الظاهرة تتصل فى واقع الأمر بظواهر قديمة عاشت فى مصر و لاتزال تتواصل بأشكال شتى . على أن هذه الظاهرة بالذات كظاهرة قديمة ، مصرية الطابع تمثل نموذجا فعالا لأستمرار التقاليد الثقافية المصرية لقد كانت الرسائل التى ترسل إلى الموتى قبل س





















